أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
77
العقد الفريد
بلدك الذي خرجت منه . قالت : رحم اللّه أمير المؤمنين ذاك : عمر بن الخطاب ! قلت : نعم ، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . قالت : أبيت أبيت ! قلت : ما كان إباؤك إلا فواق « 1 » ناقة بكيئة « 2 » ، ثم صرت ما تحلين ولا تمرّين ، ولا تأمرين ولا تنهين ! قال : فبكت حتى علا نشيجها ، ثم قالت : نعم أرجع ، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلد أنتم فيه ! فقلت : أما واللّه ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أمّا ، وجعلنا أباك لهم صدّيقا . قالت : أتمنّ علي برسول اللّه يا بن عباس ؟ قلت : نعم نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا ! قال ابن عباس : فأتيت عليا فأخبرته ، فقبّل بين عيني وقال : بأبي ذرّيّة بعضها من بعض واللّه سميع عليم . ومن حديث ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب : أنّ قاضيا من قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين ، رأيت رؤيا أفظعتني . قال : وما رأيت ؟ قال : رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم معهما نصفين . قال : فمع أيهما كنت ؟ قال : مع القمر على الشمس . قال عمر بن الخطاب وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً « 3 » . فانطلق ، فو اللّه لا تعمل لي عملا أبدا . قال : فبلغني أنه قتل مع معاوية بصفّين . أبو بكر بن أبي شيبة قال : أقبل سليمان بن صرد ، وكانت له صحبة مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، إلى عليّ بن أبي طالب بعد وقعة الجمل ؛ فقال له : تنأنأت « 4 » وتزحزت وتربصت ، فكيف رأيت اللّه صنع ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إنّ الشّوط بطين « 5 » ، وقد بقي من الأمور ما تعرف به عدوّك من صديقك .
--> ( 1 ) الفواق : ما بين الحلبتين من الوقت . ( 2 ) البكيئة من النوق : التي قلّ لبنها . ( 3 ) سورة السراء الآية 12 . ( 4 ) تنأنأت : قصرت وعجزت . ( 5 ) بطين : بعيد .